من اخترع الفكرة؟ كيف تولد الأفكار التي تغيّر العالم؟
منبر نور مقالاتمن بطون الكتب… ونبض الواقع لو سألنا: من الذي اخترع العجلة؟ أو من الذي اخترع الطباعة؟ أو من الذي اخترع الهاتف؟ لوجدنا في كتب التاريخ أسماءً معروفة وإجابات شبه متفق عليها. ولكن لو سألنا سؤالاً آخر أكثر عمقاً: من الذي اخترع الفكرة؟ فسنكتشف أننا أمام سؤال من أعقد الأسئلة التي تناولها الفلاسفة والمؤرخون […]
The post من اخترع الفكرة؟ كيف تولد الأفكار التي تغيّر العالم؟ appeared first on سودانايل.
منبر نور مقالاتمن بطون الكتب… ونبض الواقع
لو سألنا: من الذي اخترع العجلة؟ أو من الذي اخترع الطباعة؟ أو من الذي اخترع الهاتف؟ لوجدنا في كتب التاريخ أسماءً معروفة وإجابات شبه متفق عليها.
ولكن لو سألنا سؤالاً آخر أكثر عمقاً: من الذي اخترع الفكرة؟
فسنكتشف أننا أمام سؤال من أعقد الأسئلة التي تناولها الفلاسفة والمؤرخون وعلماء الاجتماع والاقتصاد.
فالأفكار ليست بضائع تُصنع في مصنع،ولا أشجاراً تنبت فجأة في أرض خالية،وإنما هي ثمرة تفاعل طويل بين الإنسان وبيئته،وبين المعرفة والتجربة، وبين الحاجة والخيال.
ومن هنا فإن تاريخ البشرية يمكن أن يُقرأ من زاوية أخرى،هي تاريخ الأفكار التي غيّرت العالم.
لقد قامت حضارات، وسقطت إمبراطوريات، وتبدلت أنظمة اقتصادية، وظهرت علوم ومؤسسات،وذلكلأن فكرة جديدة وُلدت في عقل إنسان،ثم وجدت من يحملها، ومن يطورها،ومن يحولها إلى واقع.
ولذلك فإننا في هذا الباب الجديد في نشاط منبر نور البحثي لا نبحث عن الأشخاص بقدر ما نبحث عن رحلة الفكرة؛كيف وُلدت؟وكيف نضجت؟وكيف غيّرت حياة الناس؟ويسرنا ان نتناول في هذا المقال مقتطفات من بطون بعض كتب منهم
اولاالمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت في كتابه الشهير قصة الحضارة الذي يبين فيه أن الحضارات لا تقوم على القوة العسكرية وحدها علي سبيل المثال،
وإنما تقوم على تراكم الأفكاروالمعارفوالمؤسسات.
ثانياأما الفيلسوف كارل بوبر في المجتمع المفتوح وأعداؤه فيؤكد أن تقدم المجتمعات يبدأ حين تصبح الأفكار قابلة للنقد والمراجعة،لا حين تتحول إلى مسلمات جامدة.
ثالثاومن زاوية الاقتصاد، يذهب الحائز على جائزة نوبل دوغلاس نورث إلى أن المؤسسات ليست مباني ولا لوائح فحسب،بل هي في أصلها أفكار اتفق الناس على احترامها،ثم تحولت مع الزمن إلى قواعد تنظّم حياتهم.
رابعاأما الاقتصادي جوزيف شومبيتر فقد جعل الابتكار، وهو في جوهره فكرة جديدة، المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، ورأى أن المبدعين يغيرون العالم بما سماه “التدمير الخلاق”، حيث تستبدل الأفكار الجديدة ما تقادم من نظم وأساليب.
وهنا تتجلى حقيقة مهمة؛ فالفكرة لا تُقاس بحجمها، بل بأثرها. فقد تكون كلمة أو ملاحظة أو سؤالاً بسيطاً، لكنها تفتح باباً جديداً للعلمأو الاقتصادأو الإدارة.
ولو تأملنا تاريخ البشرية لوجدنا أن كثيراً من أعظم التحولات بدأت بسؤال صغير:
ماذا لو دارت الأرض حول الشمس؟
ماذا لو استطاع الإنسان أن يطبع آلاف النسخ من الكتاب نفسه؟
ماذا لو أصبحت المعرفة متاحة لكل الناس؟
ماذا لو أمكن تحويل البخار إلى قوة محركة؟
ماذا لو أصبح المال ينتقل إلكترونياً دون أن يغادر مكانه؟
كل هذه الأسئلة كانت في بدايتها أفكاراً،ثم أصبحت حقائق غيّرت وجه العالم.
ومن اللافت أن معظم الأفكار العظيمة لم تولد في أوقات الرفاه،وإنما خرجت من رحم الحاجة. فالإنسان حين يواجه مشكلة حقيقية يبدأ عقله في البحث عن حل،ومن هنا كانت الحاجة، كما يقول المثل القديم،الحاجه أم الاختراع.
خامساويشير المؤرخ أرنولد توينبي في كتابه دراسة التاريخ إلى أن
الحضارات تتقدم حين تستجيب للتحديات بإبداع،
وتتراجع حين تعجز عن تقديم أفكار جديدة.
وهذه الرؤية تجعلنا ننظر إلى الأزمات نظرة مختلفة؛فهي ليست دائماً نهاية الطريق،بل قد تكون بداية فكرة عظيمة.
سادساوفي الفكر الإسلامي نجد تأكيداً عميقاً على قيمة الفكر والتدبر.
فالقرآن الكريم يكرر الدعوة إلى التفكر والنظر والاعتبار، وكأن أول خطوة في عمارة الأرض هيأن يعمل العقل،وأن يتحول التأملإلى عمل.ولم يكن ازدهار الحضارة الإسلامية في عصورها الزاهرة إلا نتيجة احترام العلم، وتشجيع الترجمة، وإطلاق طاقات الاجتهاد.
سابعاومن أجمل ما كتبه المفكر مالك بن نبي أن مشكلة العالم الإسلامي ليست في نقص الأشياء،بل في نقص الأفكار القادرة على توجيه الأشياء.وقد ميّز بين عالم الأشخاص، وعالم الأشياء،وعالم الأفكار،ورأى أن نهضة الأمم تبدأ حين يكون عالم الأفكار حياً ومؤثراً.
وهذه الفكرة تستحق أن نتوقف عندها كثيراً. فكم من دولة تملك ثروات طبيعية هائلة، لكنها لا تحقق التنمية؟
وكم من دولة فقيرة في الموارد، لكنها أصبحت من أغنى دول العالم؟
إن الفرق كما أشرنا في كثير من مقالاتنا في منبر نورفي كثير من الأحيان لا يعود إلى ما في باطن الأرض، وإنما إلى ما في عقول البشر.
ولعل تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وتجربة سنغافورة، وكوريا الجنوبية، وفنلندا، تؤكد أن الاستثمار في الإنسانوالفكرة كان أكثر أثراً من الاستثمار في الموارد الخام وحدها.
ومن هنا فإن منبر نور، وهو يفتتح هذا الباب،في نشاطه الفكري لا يريد أن يروي تاريخ الأفكار بوصفه مادة تاريخية فحسب، بل يريد أن يسأل في كل مرة:كيف يمكن لهذه الفكرة أن تخدم واقعنا؟
فإذا تحدثنا علي سبيل المثالعن فكرة الجامعة، سألنا: كيف نبني جامعة تصنع المعرفة؟
وإذا تحدثنا عن فكرة البنك، سألنا: كيف نجعل النظام المالي أداة للتنمية؟
وإذا تحدثنا عن فكرة التخطيط، سألنا: لماذا تنجح الخطط في مكان وتتعثر في مكان آخر؟
وإذا تحدثنا عن فكرة الوقف، سألنا: كيف نستعيد دوره في تمويل التعليم والصحة والبحث العلمي؟
إن هذه السلسلة لن تكون رحلة في الماضي وحده، بل ستكون جسراً بين الماضي والمستقبل، وبين الكتاب والواقع، وبين التجربة الإنسانية واحتياجات أوطاننا.
ولعل السودان، وهو يواجه تحديات إعادة البناء والتنمية،أحوج ما يكون إلى استدعاء الأفكار الناجحة من تجارب الأمم،لا على سبيل التقليد، بل على سبيل الفهم والإبداع.فالأمم لا تتقدم لأنها تنسخ غيرها،وإنما لأنها تحسن اختيار الأفكار التي تناسب ظروفها،ثم تطورها بما يلائم بيئتها وثقافتها.
وسنمضي في هذه السلسلة، بإذن الله، نسأل في كل مقال عن فكرة واحدة غيّرت العالم: كيف ولدت؟ ومن حملها؟ وما العقبات التي واجهتها؟ وكيف يمكن أن نستفيد منها اليوم؟فربما كانت أعظم الثروات التي يمكن أن نورثها للأجيال ليست الذهب ولا النفط ولا المباني، وإنما فكرة صادقة، تنير عقلاً، وتبني إنساناً، وتنهض بوطن.
مراجع مختارةويل ديورانت، قصة الحضارة.كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه.أرنولد توينبي، دراسة التاريخ.مالك بن نبي، شروط النهضة، ومشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.Joseph A. Schumpeter, Capitalism, Socialism and Democracy.Douglass C. North, Institutions, Institutional Change and Economic Performance.Peter F. Drucker, Innovation and Entrepreneurship.Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions.
عبد العظيم الريح مدثراقتصادي متقاعد منالمصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثيsanhooryazeem@hotmail.com
The post من اخترع الفكرة؟ كيف تولد الأفكار التي تغيّر العالم؟ appeared first on سودانايل.
