ما بعد الجابري؟ هل ما زلنا نحتاج إلى نقد العقل العربي؟
ما بعد الجابري؟ هل ما زلنا نحتاج إلى نقد العقل العربي؟ تأملات بمناسبة صدور كتاب «العقل العربي: جدلية المعرفة والسلطة» لغسان علي عثمانزهير عثمان ما بعد الجابري؟هل ما زلنا نحتاج إلى نقد العقل العربي؟تأملات بمناسبة صدور كتاب «العقل العربي: جدلية المعرفة والسلطة» لغسان علي عثمانزهير عثمان ليست هذه مراجعة لكتاب غسان علي عثمان «العقل العربي […]
The post ما بعد الجابري؟ هل ما زلنا نحتاج إلى نقد العقل العربي؟ appeared first on سودانايل.
ما بعد الجابري؟ هل ما زلنا نحتاج إلى نقد العقل العربي؟ تأملات بمناسبة صدور كتاب «العقل العربي: جدلية المعرفة والسلطة» لغسان علي عثمانزهير عثمان
ما بعد الجابري؟هل ما زلنا نحتاج إلى نقد العقل العربي؟تأملات بمناسبة صدور كتاب «العقل العربي: جدلية المعرفة والسلطة» لغسان علي عثمانزهير عثمان
ليست هذه مراجعة لكتاب غسان علي عثمان «العقل العربي جدلية المعرفة والسلطة»، فالأمانة العلمية تقتضي الإقرار بأن الكتاب لم يصلني بعد، ولم تتح لي فرصة قراءتهوما أكتبه هنا هو محاولة لقراءة المشروع كما تعلنه عتباته النصية – العنوان، والنبذة التعريفية، والحوار الذي صاحب تدشينه في القاهرة. فالكتب الكبيرة لا تبدأ من صفحاتها الأولى فقط، بل تبدأ أيضاً من الأسئلة التي تعلنها قبل أن تُقرأ
ولعل السؤال الذي أعاده هذا الإصدار إلى الواجهة ليس سؤال غسان علي عثمان وحده، بل سؤال جيل كامل من المفكرين العرب , و هل ما زال مشروع نقد العقل العربي ممكناً بعد كل ما جرى في العقود الأربعة الأخيرة؟
لقد بدا، منذ صدور مشروع محمد عابد الجابري، أن سؤال النهضة العربية يمر عبر نقد البنية المعرفية التي حكمت الثقافة العربية الإسلاميةو لم يكن الجابري يبحث عن أخطاء الماضي بقدر ما كان يحاول تفسير آليات التفكير التي صنعت ذلك الماضي واستمرت في التأثير في الحاضر وفي الوقت نفسه، كان محمد أركون يدعو إلى تفكيك “اللامفكر فيه”، بينما انشغل عبد الله العروي بنقد الأيديولوجيا، وحاول حسن حنفي إعادة بناء العلاقة مع التراث من الداخل و ولقد كان الجميع، على اختلاف مناهجهم، يتحركون داخل سؤال واحد: لماذا تعثر مشروع الحداثة العربية؟
غير أن العالم العربي الذي كتب فيه الجابري مشروعه لم يعد هو العالم العربي الذي نعيش فيه اليوم , فقد شهدنا انهيار دول، وصعود حروب أهلية، وانفجار الهويات الفرعية، وثورة رقمية أعادت تشكيل المجال العام، وظهور الذكاء الاصطناعي بوصفه فاعلاً جديداً في إنتاج المعرفةو لذلك يبدو مشروع غسان علي عثمان، بحسب ما تعكسه عتبات كتابه، وكأنه لا يكتفي بإعادة السؤال القديم، بل يحاول نقله إلى مستوى آخر
إذا كان الجابري قد سأل- كيف يفكر العقل العربي؟ فإن السؤال الذي يوحي به عنوان الكتاب هو- من ينتج هذا العقل؟ وكيف تتحول المعرفة إلى سلطة، والسلطة إلى معرفة؟وهنا تنتقل القضية من الإبستمولوجيا إلى سوسيولوجيا المعرفة، ومن تحليل البنية الفكرية إلى تحليل المؤسسات التي تنتج تلك البنية وتحرسها وتعيد إنتاجهاإن هذه النقلة، إن صح أنها تمثل جوهر المشروع، تفتح باباً واسعاً للحوار مع ميشيل فوكو، الذي رأى أن المعرفة ليست بريئة، وأن كل مجتمع ينتج “نظاماً للحقيقة” يخدم علاقات القوة داخلهلكنها تفتح أيضاً حواراً مع بيير بورديو، الذي بيّن كيف تمارس السلطة هيمنتها عبر ما سماه “العنف الرمزي”، أي ذلك النوع من السيطرة الذي لا يحتاج إلى السلاح بقدر ما يحتاج إلى الإقناع، وإلى تحويل القيم السائدة إلى حقائق تبدو طبيعية وبديهية
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل يستطيع الفكر العربي أن يكتفي باستعارة أدوات فوكو وبورديو، أم أنه مطالب بإنتاج أدواته الخاصة لفهم العلاقة بين المعرفة والسلطة في سياق مختلف تاريخياً وثقافياً؟
هذا، في تقديري، هو التحدي الحقيقي لأي مشروع جديد يحمل عنوان “العقل العربي”ومن أكثر المفاهيم إثارة للاهتمام في تقديم الكتاب وصفه بأنه «حفريات في اللاهوت الاجتماعي» , فهذا التعبير لا يمر مروراً عابراً، لأنه يوحي بأن المؤلف لا يتعامل مع الدين بوصفه عقيدة أو نصاً فقط، بل بوصفه بنية اجتماعية تنتج أنماطاً من السلطة، وتعيد تشكيل الوعي، وتمنح الشرعية للمؤسساتغير أن مفهوم “اللاهوت الاجتماعي” ما يزال في الفكر العربي مفهوماً يحتاج إلى مزيد من التحديدفإذا كان اللاهوت، في معناه التقليدي، علماً يبحث في الإلهيات، فإن اللاهوت الاجتماعي يدرس الكيفية التي تتحول بها المعتقدات والتأويلات إلى نظم اجتماعية ورمزية، وكيف تنتقل القداسة من النص إلى المؤسسة، ومن الفكرة إلى السلطة، بحيث تصبح الطاعة للنظام الاجتماعي جزءاً من الطاعة للمقدسوهنا يبرز سؤال فلسفي يتجاوز الكتاب نفسه و هل المشكلة تكمن في التراث، أم في المؤسسات التي تنتج قراءته وتحتكر تفسيره؟هذا السؤال أكثر أهمية من الانقسام التقليدي بين من يقدسون التراث ومن يدينونه بالكاملفالتراث، في نهاية الأمر، ليس كياناً واحداً، بل هو تاريخ طويل من الاختلافات، والصراعات، والتأويلات، والاجتهادات. ولذلك فإن تحويله إلى كتلة واحدة، سواء في التمجيد أو في الإدانة، لا يقلل من تعقيده بقدر ما يلغي تاريخهوفي هذا السياق، يبدو أن المشروع، كما تعكسه نبذته، يحاول تجاوز هذا الاستقطاب، عبر النظر إلى التراث بوصفه مجالاً لإنتاج السلطة، لا مجرد مستودع للنصوصغير أن هذا يقود إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يمكن تفسير الاستبداد العربي من خلال البنية المعرفية وحدها؟التاريخ الحديث يجيب بالنفي. فالاستبداد العربي لم يكن دينياً فقط، بل كان قومياً، وعسكرياً، وحزبيًا، وريعياً أيضاً , و كما أن الدولة الحديثة، بما تمتلكه من أجهزة أمن، واقتصاد ريعي، وإعلام، ومناهج تعليم، أنتجت أشكالاً جديدة من السيطرة لا يمكن ردها كلها إلى التراث
ولهذا فإن أي مشروع لنقد العقل العربي في القرن الحادي والعشرين لا يستطيع أن يكتفي بتحليل البيان والعرفان والبرهان، بل ينبغي أن يضيف إليها تحليل السوق، والإعلام الرقمي، والخوارزميات، والاقتصاد السياسي العالمي، لأنها أصبحت جميعاً تشارك في إنتاج الوعي وتوجيهه
ولعل هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها “ما بعد الجابري”لقد كان الجابري يواجه أزمة العقل في مواجهة التراث، أما نحن فنواجه أزمة العقل في مواجهة عالم أكثر تعقيداً، حيث لم تعد السلطة تأتي فقط من المؤسسة الدينية أو الدولة، بل من المنصات الرقمية، والشركات العابرة للقارات، وشبكات المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي أصبح ينتج معرفة ويعيد توزيعها بسرعة لم يعرفها التاريخ من قبل
ومن هنا فإن السؤال لم يعد- كيف نفكر؟ بل أصبح أيضاً – من يحدد ما نفكر فيه؟وهذا هو السؤال الذي يجعل مشروعاً من هذا النوع جديراً بالاهتمام، حتى قبل قراءته.
وثمة بعد آخر يمنح هذا المشروع خصوصيته، وهو أن مؤلفه سوداني. فالسودان، خلال العقود الأخيرة، كان مختبراً حياً لعلاقة المعرفة بالسلطة تعاقبت فيه مشروعات طائفية، وقومية، وإسلامية، وعسكرية، وكل منها حاول أن ينتج “حقيقته” الخاصة، وأن يقدمها باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنةومن ثم فإن مساهمة باحث سوداني في هذا النقاش قد تضيف خبرة تاريخية مختلفة عن التجارب التي انشغل بها معظم مفكري المشرق والمغربفي النهاية، لا تكمن أهمية كتاب غسان علي عثمان – كما يبدو من عتباته – في أنه يقدم إجابات نهائية، بل في أنه يعيد فتح سؤال ظن كثيرون أنه أُغلق بانتهاء مشروع الجابري , وربما يكون هذا، في حد ذاته، أهم إنجاز لأي مشروع فكري , أن يعيد الأسئلة الكبرى إلى الحياة
أما الحكم على قيمة الكتاب، ومدى أصالته، وقدرته على تجاوز الجابري أو محاورته، فلا يمكن أن يصدر إلا بعد قراءة نصه كاملاً، وتحليل فصوله، واختبار منهجه ومصادره ومفاهيمهوما هذه المقالة إلا محاولة لقراءة أفق المشروع، لا نصه؛ ولفتح حوار مع السؤال الذي يطرحه، لا لإصدار حكم على الإجابات التي يقدمهاوهنا ابارك هذا الانجاز للاستاذ غسان وكذلك اثمن الجهد الفكر له في الساحات الفكريةفالأفكار الكبيرة لا تُقاس بعناوينها وحدها، لكنها تبدأ دائماً بعنوان يوقظ سؤالاً لم يمت بعد , وربما كان هذا هو ما يفعله كتاب «العقل العربي جدلية المعرفة والسلطة»- يذكرنا بأن نقد العقل العربي ليس مشروعاً انتهى مع الجابري، بل سؤالاً يتجدد كلما تغير العالم، وكلما تغيرت السلطة، وكلما تغيرت الأشكال التي تنتج بها المعرفة والوعي.
zuhair.osman@aol.com
The post ما بعد الجابري؟ هل ما زلنا نحتاج إلى نقد العقل العربي؟ appeared first on سودانايل.
