📢 انضم إلى قناتنا على واتساب وكن أول من تصله الأخبار العاجلة والتقارير الحصرية من مجلة القلم الرقمية
يوليو 14, 2026

السودان تحت حكم البريطانيين (2)

السودان تحت حكم البريطانيين (2)Sudan under the British (2)Douglas H. Johson دوغلاس جونسونتقديم: هذه ترجمة لغالب ما ورد في الجزء الثاني والأخير من مقال لدوغلاس جونسون، نُشِرَ عام 1988م بالمجلد التاسع والعشرين من “مجلة التاريخ الإفريقي Journal of African History ” ص .ص 541 – 546. استعرض الكتاب في مقاله كتابين مهمين هما:Empire on the […]

The post السودان تحت حكم البريطانيين (2) appeared first on سودانايل.

السودان تحت حكم البريطانيين (2)Sudan under the British (2)Douglas H. Johson دوغلاس جونسونتقديم: هذه ترجمة لغالب ما ورد في الجزء الثاني والأخير من مقال لدوغلاس جونسون، نُشِرَ عام 1988م بالمجلد التاسع والعشرين من “مجلة التاريخ الإفريقي Journal of African History ” ص .ص 541 – 546. استعرض الكتاب في مقاله كتابين مهمين هما:Empire on the Nile by M. W. Daly “إمبراطورية على النيل: السودان المصري الإنجليزي 1898-1934 ” وClass and Power in Sudan by Tim Niblock “صراع السلطة والثروة في السودان”.عمل الكاتب البريطاني دوغلاس جونسون – بحسب سيرته المبذولة في الشبكة الإسفيرية – من قبل زميلاً في “معهد الوادي المتصدع”، وباحثا وأستاذا للتاريخ في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، متخصصا في تاريخ شمال شرق أفريقيا والسودان وجنوب السودان، وسبق له العمل خبيرا في شئون المناطق الثلاث (أبيي والنيل الأزرق وجبال النوبة) في مفاوضات السلام الشامل في عام 2003م. وللرجل كتاب بعنوان “جذور أسباب الحرب الأهلية في السودان”، وآخر بعنوان “نبوءات النوير”، وعدة مقالات وفصول في كتب تدور كلها حول تاريخ وحاضر شمال شرق أفريقيا والسودان وجنوب السودان. وسبق لنا ترجمة عدد من مقالاته منها مقال بعنوان “1898 و1914م: معركة أمدرمان والحرب العالمية الأولى”، ومقالين آخرين هما “بنية إرث: الرق العسكري في شمال شرق أفريقيا”، و”السودان في الكوميديا البريطانية”.المترجم*** *** ***يُعتبر كتاب مارتن دالي (1) في جوهره تاريخاً إدارياً وبيروقراطياً (2)، يستند في المقام الأول إلى أبحاث أرشيفية أُجْرِيَتْ في مدن عديدة؛ وقد نُظِمَتْ مادة هذا الكتاب حول فصول تتناول تاريخ فترة “نواب الملك” (التي مثّلها الحكام العامون للسودان)، واستعرض فيه المؤلف إدارات هؤلاء الحكام المتعاقبين (وإن كانت السلطة الفعلية، بحلول نهاية تلك الحقبة، قد بدأت تنتقل إلى ما يشبه “وصاية الهمج Hamaj Regency” في العصر الحديث، والمتمثلة في فئة السكرتيرين المدنيين الأسكتلنديين). وتناولت فصول الكتاب البينية بمزيد من التفصيل قضايا أو أمور محددة تتعلق بالسياسة (مثل الأمن الداخلي، والتطورات الاقتصادية، والتعليم والصحة، وجنوب السودان)، حيث عمل الكاتب على “إعادة بناء شاملة” لهيكل الحكومة المركزية. كما أبدى المؤلف اهتماماً فائقاً لما تذكره المصادر المعاصرة، مما يبعث على الثقة في أن د. دالي ينقل مضمونها بدقة حتى في الحالات التي لا يورد فيها نصوصها حرفياً؛ وهي ميزة قد لا تتوفر عند جميع المؤرخين الذين تناولوا تاريخ فترة الحكم الثنائي بالدراسة.لا توجد في هذا الكتاب أي إشارة صريحة وواضحة لقيم أولئك الإداريين البريطانيين، رغم أن الكاتب أتى على ذكر بعض تلك القيم مطمورةً embedded في ثَنايا فصول كتابه. ولا شك عندي أن د. دالي قد درس “العقل الرسمي official mind” للسودان (أي أفكار وتصورات ونوايا صُنّاع السياسات الذين كان لهم دور في تشكيل السياسات الإمبريالية البريطانية. المترجم) بأفضل مما درسه أي مؤرخ آخر.لا يكفي للحكم على الإنجازات الفكرية للإداريين البريطانيين بالسودان أن نذكر مثلاً أعداد ما حصلوا عليه من درجات جامعية وما نشروه من أوراق، بل ينبغي علينا تحليل محتوى كتاباتهم.لقد بدأ د. دالي في محاولةٍ لمعالجة هذا الأمر؛ فهو لا يأخذ التصريحات – سَوَاءٌ أَكَانَتْ رسمية أو حتى غير رسمية- على علاتها، بل كان يستخدم السخرية مراراً وتكراراً ليفضح الزيف الواضح لدى بعض أبرز أبطال نظام الحكم الثنائي. ومن خلال وصف د. دالي لتلك الجهود المضطربة الرامية إلى صياغة نظرية “الإدارة الأهلية”، وتطبيق سياسات مناهضة الرق وتنظيم العمالة، وتنمية الاقتصاد والتعليم، يبدأ “نظام الحكم الثنائي في السودان” في فقدان تلك الصورة (الزاهية) التي طالما تمتع بها بحسبانها نموذجاً مثالياً للبراعة الإدارية؛ إذ يتحول ذلك النظام من مثالٍ يُحتذى به في الكفاءة إلى نموذج بريطاني معهود: ذلك الباشمفتش البريطاني الذي ينجح في تدبير الأمور وسط فوضى عارمة، متعلمًا أثناء الممارسة العملية – ربما – ولكن ببطء.أما كتاب د. تيم نبلوك “صراع السلطة والثروة في السودان” (الذي ترجمه للعربية الفاتح التجاني ومحمد علي جادين. المترجم) فهو مُختَلِف جِداً، فدكتور نبلوك هو دارس للعلوم السياسية، ويسعى في كتابه هذا لتفسير ديناميات السياسة السودانية منذ الاستقلال بالعودة لدراسة التطورات الاقتصادية والاجتماعية إبان فترة الحكم الثنائي. ويركز نبلوك في كتابه على اتجاهات التمايز الاقتصادي (economic differentiation) التي بدأت في تلك الحقبة، محللاً بصورة خاصة عمليات تراكم رأس المال وإعادة استثماره من قِبَل المجموعات المختلفة التي كانت هي المستفيد المباشر من استقلال السودان عام 1956م. وينصبّ تركيز مؤلف الكتاب على السودانيين لا على البريطانيين، وعلى أثر نظام الحكم الثنائي وإرثه عوضاً عن تطوره الداخلي؛ إذ يغطي المؤلف محاور مشابهة لتلك التي تناولها دالي في كتابه، ويناقش العديد من الإحصاءات ذاتها (رغم عدم تطابق الجداول في كلا الكتابين في عدد من الحالات)، إلا أنه يعطي لنفسه مجالاً أوسع لرصد الأنماط والاتجاهات مقارنةً بما قدمه د. دالي في مؤلفه.ويطرح كتاب د. نبلوك في الواقع سؤالاً عمن من السودانيين كانت له مصلحة سياسية أو اقتصادية في حكومة العهد الثنائي؟ والإجابة فيما يبدو مثيرة للعجب والدهشة. فبالإضافة إلى زعماء القبائل (الذين دعمتهم الحكومة عن وعي وقصد) وهي تنفذ سياسة “الإدارة الأهلية”، ذكر د. نبلوك طبقة التجار، وزعماء الطوائف الدينية، وطبقة “الخريجين” من بين المثقفين (المؤهلين للترقي لرتب أعلى في الحكومة). وصُوِّرت كل هذه المجموعات في الأدبيات الوطنية السودانية السابقة على أنها عانت من تقييد أنشطتها وإحباط طموحاتها إبان فترة العهد الثنائي؛ وقد انخرطت جميعها في الحراك الوطني الذي قاد في نهاية المطاف إلى إنهاء الحكم البريطاني عن طريق التفاوض.ذكرت أن التساؤل الذي طرحه د. نبلوك مثير فيما يبدو للدهشة لأن شكوك الحكومة حيال تلك المجموعات المذكورة هي من الأمور الموثقة جيدا (كما وردت في كتاب د. دالي)، ولكن من الممكن أيضاً ذكر الكيفية التي استطاع بها أفراد من تلك المجموعات السودانية الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي أتاحتها لهم برامج الحكم الثنائي (الذي كانت السلطة المطلقة فيه للبريطانيين. المترجم). وكان (بعض) أفراد تلك المجموعات السودانية قد استفادوا – بسبب علاقتهم بالحكومة – بتملك الأراضي، والحصول على عمالة من بعض الأهالي (فيما يشبه السُّخْرة. المترجم)، وعلى قروض (3) والدخول في تجارة وتصدير مختلف البضائع. وكانت قدرة أولئك المستفيدين لمراكمة رؤوس أموالهم وإعادة استثمارها هي ما ميزتهم اقتصاديا واجتماعيا عن باقي قطاعات المجتمعات السودانية. لقد كان هذا تطوراً طويل الأمد؛ إذ رسّخ بعض زعماء القبائل والشخصيات الدينية والتجار مكانتهم إبان السنوات الثلاثين الأولى من ادارة الحكم الثنائي، ثم وظّفوا ثرواتهم المتراكمة للاستثمار في قطاعات اقتصادية أخرى (مثل مشاريع ضخ المياه بالطلمبات والزراعة الآلية وغيرها) وذلك بوتيرة متزايدة خلال سنوات الأربعينيات والخمسينيات. ولا يسعى د. نبلوك لتحديد طبقات اجتماعية تمتلك وعياً ذاتياً محدداً؛ وذلك بسبب أن تداخل الهويات والولاءات (الإقليمية والاثنية والدينية)، والجمع بين أنظمة الإنتاج “ما قبل الرأسمالية” و”الرأسمالية”، يسبب حالة من “الغموض” في تشكيلات المجموعات الطبقية. وعوضاً عن ذلك، سعى الباحث إلى تفسير كيفية نشوء تفاوتين أو اختلالين أساسيين في الهيكل الاقتصادي للسودان: الأول هو التفاوت بين القادرين على إعادة استثمار أموالهم في القطاع الرأسمالي للاقتصاد، وبين غير القادرين على ذلك؛ والثاني هو تلك الاختلالات الإقليمية في التنمية الاقتصادية التي تكمن خلف الدمار الراهن الذي لحق ويلحق بأجزاء واسعة من السودان وسكانه، سواء أكان في الغرب والشرق المعرضين لخطر المجاعة، أو في الجنوب الذي مزقته الحروب. وهذا بالتحديد ما يميز د. نبلوك عن غيره ممن درسوا السياسات الوطنية أو نظام الحكم الثنائي؛ فهو لا يتقيد بالتقسيمات الزمنية التقليدية لتاريخ السودان الحديث – بغض النظر عما إذا كانت إدارية أو سياسية – مما أتاح له تتبع مسارات الاستمرارية الممتدة إبان فترات زمنية أطول.توجد في كتابي دالي ونبلوك بعض المقاربات التي تتكامل مع بعضها البعض، رغماً عن أن هناك من يراها مقاربات متناقضة تماماً. لم يتطرق د. دالي كثيراً لتأثير الحكومة على السودانيين، على عكس د. نبلوك الذي ناقش ببعض الاستفاضة أمر الإداريين البريطانيين. غير أن قراءة المرء للكتابين معاً تتيح له أن يبدأ في تبين النمط الأوسع للعلاقات الأخلاقية بين الحاكم والمحكوم؛ ويصدق هذا الزعم بوجه خاص على ما يطرحه الكتابان من مقاربات ورؤىً مختلفة حول السياسات الاقتصادية والإدارة الأهلية.لم يتضمن الفصل الذي كتبه د. دالي حول مشاريع التنمية الاقتصادية في غضون العقدين الأولين للحكم الثنائي سوى قائمة بالقوانين والتشريعات، وإعادة تنظيم المصالح والأقسام المختلفة، وتعيينات المسؤولين، إضافة لبعض احصائيات التجارة. وقلما وردت في ذلك الفصل أي اشارة لآثار أو نتائج السياسة الاقتصادية. أما عند د. نبلوك فقد كانت تلك الفترة فترةً بالغة الأهمية في وضع الأساس وتمهيد الطريق لعمليات التراكم الاقتصادي لصالح تلك المجموعات التي هيمنت لاحقاً على المشهد السياسي في السودان. فعلى سبيل المثال، يرى د. نبلوك أن عملية حصول زعماء القبائل في الشمال على حقوق ملكية الأراضي تعود بجذورها إلى “مرسوم سندات ملكية الأراضي” الصادر عام 1899م (4). ورغم صعوبة تحديد تسلسل زمني دقيق لتلك العملية، إلا أن د. نبلوك يقدم لنا فهماً أفضل لكيفية تنفيذ البرامج الاقتصادية وما أحدثته من آثار، حتى تلك الآثار التي لم تكن تدركها الإدارات القائمة آنذاك.وهناك اختلاف آخر بين كتاب د. دالي وكتاب د. نبلوك في ما يتعلق بـ “الإدارة الأهلية”، يتلخص في تباين تركيز كل منهما حول أهمية فترات التطور المختلفة. فقد كان د. نبلوك لا يرى فرقاً كبيراً في تطبيق “الإدارة الأهلية” قبل وبعد حركة 1924م، وتتبع خيطاً ناظما متواصلا لها منذ أيام الحكم الثنائي الباكرة. أما د. دالي فقد كان من رأيه أن سنوات العشرينيات كانت تمثل مرحلة فاصلة في التفكير الإداري بأكثر مما كان يراه د. نبلوك. ولعل منبع ذلك التبيان قد أتى في الغالب من اختلاف مصادر كل منهما. إذ كان د. دالي يعتمد أساساً على مواد أرشيفية، وحدث هناك تغيير بعد عام 1920م تقريباً، في الطريقة التي كان يصف ويفسر بها المسؤولون لأنفسهم طبيعة المهام التي كانوا يؤدونها. ومع ذلك، يستند د. نبلوك على دراسات أنثروبولوجية حديثة حول شمال السودان، تُرْجِعُ تزايد النفوذ وتراكم السلطة لدى جماعات بارزة من البدو الرحّل في المناطق الريفية إلى ما قبل عام 1914م (5). ورغم أن “مرسوم سلطات شيوخ العرب الرحل” (الصادر عام 1922م) كان قد عزز المكانة القضائية لهؤلاء الزعماء، إلا أن تراكم السلطة الذي يصفه د. نبلوك كان نتاجاً لتطبيق سياسات الأراضي والعمالة أكثر من كونه نتيجةً لإصلاحات قضائية وإدارية. لقد كان د. دالي يدرك أن غموض وزيف سياسة “الحكم غير المباشر” كان قد سمح للمسؤولين (البريطانيين) بتطبيق أشكال متناقضة تماماً من القوانين كيفما شأوا. إن ما نلاحظه في تطور أسلوب مناقشة “الإدارة الأهلية للسكان الأصليين” يعطي مثالاً لما أسماه إيفانز- بريتشارد “إضفاء الطابع الفكري على عملية التنمية”.إن تركيز د. نبلوك على النتائج والآثار لم يحجب عنه منطق التطور الداخلي للفكر الإداري؛ ولكني أميل إلى تفضيل التفسير الذي قدمه د. دالي لتطور “سياسة الجنوب” (بصيغتها التي كانت عليها) بحسبانها امتداداً للنظريات الإدارية التي طُوِّرت في الشمال. وللأسف، اعتمد د. نبلوك على انتقادات علماء سياسة من شمال السودان، ممن أرى أنهم قدموا قراءة غاية في الانتقائية للوثائق المعاصرة. وكان من الممكن أن يستفيد د. نبلوك كثيراً من كتاب Sandrosn ساندرسون ” Education, Religion & Politics in Southern Sudan التعليم والدين والسياسة في جنوب السودان” (الصادر عام 1981م)، وكان يجدر به أيضاً الاطلاع على الوصف الذي قدمه Collins كولينز مؤخراً لتطبيق “سياسة الجنوب” بعد عام 1930م في كتابه المعنون ” Shadows in the Grass ظلال في العشب” (الصادر عام 1983م). يُوضح كلا الكتابين نقاط القوة الحالية في دراسات التاريخ والعلوم السياسية المتعلقة بفترة الحكم الثنائي في السودان، ولكنهما يكشفان كذلك عن أوجه القصور بها؛ وهنا لدي تحفظات قوية. فكلا المؤلفين يتخذان من الخرطوم مقراً لهما، وينطلقان في تفكيرهما من منظور النخب التي تتخذ من الخرطوم مركزاً لها، سواء أكانت بريطانية أو سودانية. وعلى الرغم من أن د. نبلوك حاول دراسة الأقاليم في علاقتها بالخرطوم، إلا أنني أرى أن الكاتبين لم يدركا تماماً الأثر المشوِّه الذي يمكن أن تحدثه – والذي تحدثه بالفعل – الدراسات المتمحورة فقط حول الخرطوم على فهمنا لهذه الدولة / الأمة (nation) بالغة التعقيد.لقد كانت تجربتي الشخصية قد أقنعتني بأن استخدام المصادر المحلية – سواء الوثائق الإدارية المحلية أو الروايات الشفهية للسودانيين – تستوجب تغيير المقاربة التي يتبعها المؤرخون وعلماء السياسة عند دراسة السودان. فعلى سبيل المثال، كانت وجهة النظر البريطانية الرسمية ترى أن فترة “فرض الأمن والاستقرار” (أو التهدئة) في جنوب السودان الطويلة كانت من الأمور التي فرضتها على الحكومة حالة الاضطراب التي أحدثها السكان أنفسهم؛ وهي وجهة نظر لقيت قبولاً واسعاً في المصادر الثانوية التي اعتمد عليها كل من د. دالي ود. نبلوك عند تناولهما لأوضاع الجنوب. وفي المقابل، ومن خلال مقارنة الأدلة المحلية بتلك التي كانت تُقدم لحكومة الخرطوم (أو ما وراءها)، خلصتُ إلى أن سكان جنوب السودان كانوا – في كثير من الأحيان – أشد رغبة في التكيف مع الحكومة الجديدة مما يُشاع عنهم، وأن “المقاومة” كانت – في العديد من المحطات الحاسمة – نتيجة لإجراءات إدارية محددة. وإذا أمكن إثبات صحة هذا الطرح بالنسبة لجزء كبير من الجنوب (وهو ما أعتقد إمكانية تحقيقه فيما يخص قبائل “الزاندي” وأقسام واسعة من قبيلتي “الدينكا” و”النوير”)، فإن ذلك يوجب إعادة النظر في تصوراتنا حول طبيعة الإدارة البريطانية الباكرة، وكذلك حول السياق الذي تطورت فيه التنظيمات السياسية في جنوب السودان.لا يقر د. دالي ولا د. نبلوك بأنه من المحتمل أن تكون وجهة النظر البديلة التي ذكرتها آنفاً صحيحة، ولا عجب في ذلك، إذ أن كليهما لم يقضيا وقتاً كافياً في مديريات الجنوب. ولم يتطرق د. دالي إلى تفاصيل الهيكل الإداري في المديريات، ولا إدارة مناطقها. وهذا – بلا ريب – بسبب اعتماده على أرشيف الوثائق التي اعتمد عليها. ولو كان قد قضى شهوراً قليلة في مخازن ومكاتب الحكومة بالأبيض والنهود وبارا، على سبيل المثال، لخرج بانطباع ورؤى مختلفة عن الخرطوم وعن بعض قادتها اللاحقين من أمثال ماكمايكل وويليس. أما د. نبلوك، فقد كان يمتلك خبرة طويلة في السودان، ومعرفة مفصلة عنه (بأكثر مما كان عند الكثير من “الخبراء” الذين يكتبون عن السودان في الوقت الحالي). وهذا واضح جداً في كتابه الذي نعرضه هنا. إلا أنه لم يتعرض كثيراً في كتابه لـ “الاختلالات الإقليمية regional imbalances ” بالبلاد.لا شك عندي في أن د. دالي ود. نبلوك قد قدما مساهمتين قيمتين حول فهمنا للمؤسسات المركزية الحديثة بالسودان. وأعتقد أن مستقبل السودان في حاجة ماسة للمزيد من مثل هذه الدراسات التي تبداً من أطراف البلد وتمضي قدماً، مع مراعاة كلٍّ من أنماط العلاقات الراسخة والتغيرات الأخيرة. ولا شك أن مثل تلك المراجعة ينبغي أن تولي اهتماما بمؤلفات مثل كتاب سبولدينق “عصر البطولة في سنار The Heroic Age in Sinnar” (1985م)، وكتاب كابتيجنز “العقيدة المهدية والتُرَاث السوداني Mahdist Faith and Sudanic Tradition”، (1985م). غير أن تلك المراجعة لا يمكن أن تتم دون اتباع مثال علماء الأنثروبولوجيا من ذوي الحس والعقل التاريخي الذين يتناولون قضايا الشعب بأسره عبر دراسة فاحصة ومفصلة للمجتمعات المحلية (مثلما فعل طلال الأسد في دراسته للكبابيش، وكتاب National Integration and Local Integrity: The Miri of the Nuba Mountains in the Sudan لجيرد باومان (ذكر كاتب المقال هنا عددا من كتب الاثنوغرافيا. المترجم)، وأعمال غير منشورة لمصطفى بابكر واليكس دو ڤال، وكتب بعض علماء الجغرافيا مثل Trilsbach وHulme، الذين قدما فيها مساهمةً جوهريةً مهمة في فهمنا للأثر الحقيقي للحكومات المتعاقبة على شعوب السودان، ولعناصر الاستمرارية في التاريخ السوداني التي تربط بين الحقب المختلفة. ولن نقترب بالفعل من فهم العلاقات الأخلاقية بين المحكومين والحكام — تلك التي تُعدّ “أكثر المشكلات الإدارية جوهريةً” في العلاقة بين الشعب والحكومة (أيّاً كانت هذه الحكومة) في السودان — إلا عندما يتم دمج هذه المقاربات في صلب الأبحاث التاريخية السائدة.*** *** **إحالات مرجعية1/ يُعد مارتن دالي (1950م -) واحداً من أهم المؤرخين الأجانب للسودان ومصر (خاصة فيما يتعلق بتاريخ عهد الحكم الثنائي)، وله العديد من المؤلفات مثل “امبراطورية على النيل” و “أحزان دارفور”، و”صور الإمبراطورية”. وله أيضا كتاب بعنوان “تاريخ السودان منذ مجيء الإسلام …” بالاشتراك مع ريتشارد هيل، وكتاب عن “الحرب الأهلية في السودان” بالاشتراك مع أحمد العوض سيكنجة. ولدالي أيضا عدة مقالات عن السودان منها مقال مشهور نُشر عام 1983م عن “رسائل وينجيت”. درس بروفيسور دالي في جامعة مكغيل ‏الكندية، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1977م من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، ثم عمل في التدريس والبحث بعدد من الجامعات الأميركية وجامعة درم البريطانية.2/ التاريخ البيروقراطي بحسب تعريف موسوعة الويكيبديا هو “مجال أكاديمي فرعي يدرس تطور الإدارات الحكومية والخدمات المدنية والهياكل التنظيمية؛ إذ يستكشف كيف أدار المسؤولون غير المنتخبين والهيئات الإدارية السياسات العامة والسلطة المركزية، وكيف نمت هذه الجهات بالتوازي مع تطور الدول الحديثة”. وفي المملكة المتحدة، يُعرف البيروقراطيون البريطانيون رسمياً باسم “الخدمة المدنية”.3/ لفيرقس نيكول مقال تطرق فيه للامتيازات التي حصل عليها بعض السودانيين من الحكم البريطاني. https://shorturl.at/2YUl54/ يمكن النظر هنا لمقال للسر سيد أحمد في هذا الرابط: https://shorturl.at/rrS8k5/ استشهد الكاتب هنا بأعمال طلال الأسد عن قبيلة الكبابيش، وعبد الغفار محمد أحمد عن “الشيوخ والأتباع: الصراع السياسي في نظارة رفاعة الهوي بالسودان”، وعباس أحمد محمد عن “عرب النيل الأبيض”.

alibadreldin@yahoo.com
The post السودان تحت حكم البريطانيين (2) appeared first on سودانايل.