من يرفض المبادرة الأمريكية لوقف فوري لإطلاق النار… ولماذا؟
كشفت وسائل الإعلام مؤخراً عن مبادرة أمريكية تهدف إلى وقف الحرب في السودان وتهيئة الظروف لعودة السلام والاستقرار. وتقوم المبادرة على خمسة محاور رئيسية: وقف العمليات العدائية لمدة تسعين يوماً تحت إشراف لجنة تنسيق دولية، وإنشاء آلية أممية للإشراف على انسحاب قوات الدعم السريع تدريجياً مع إعطاء الأولوية لشمال دارفور وشمال كردفان، والحفاظ على جيش […]
The post من يرفض المبادرة الأمريكية لوقف فوري لإطلاق النار… ولماذا؟ appeared first on سودانايل.
كشفت وسائل الإعلام مؤخراً عن مبادرة أمريكية تهدف إلى وقف الحرب في السودان وتهيئة الظروف لعودة السلام والاستقرار. وتقوم المبادرة على خمسة محاور رئيسية: وقف العمليات العدائية لمدة تسعين يوماً تحت إشراف لجنة تنسيق دولية، وإنشاء آلية أممية للإشراف على انسحاب قوات الدعم السريع تدريجياً مع إعطاء الأولوية لشمال دارفور وشمال كردفان، والحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية مع تجميع ونزع سلاح الجماعات المسلحة، ونشر مراقبين دوليين بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ثم استغلال فترة الهدنة لإطلاق عملية سياسية سودانية تقود إلى سلطة مدنية منتخبة.
ووفقاً لما أعلن، وافقت الحكومة السودانية والقوات المسلحة مبدئياً على معظم بنود المبادرة، لكنها اشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية أو أمنية، ورفضت فكرة الانسحابات الجزئية أو المرحلية. أما قوات الدعم السريع فقد أعلنت ترحيبها بالمبادرة من حيث المبدأ، مع استمرار الخلاف بين الطرفين حول آليات التنفيذ والترتيبات الأمنية.
ومن هنا يبرز السؤال: من الذي يعرقل الوصول إلى وقف إطلاق النار؟
من وجهة نظري، فإن موقف القيادة العسكرية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية سياسية شاملة، إذ تتمسك المؤسسة العسكرية بترتيبات تضمن استمرار هيمنتها على السلطة خلال المرحلة الانتقالية، بينما تقوم فلسفة المبادرة على الانتقال نحو سلطة مدنية منتخبة. كما أن بقايا نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية تجد في استمرار الحرب فرصة للحفاظ على ما تبقى من نفوذها السياسي والاقتصادي داخل مؤسسات الدولة، ولذلك تبدو أقل حماساً لأي تسوية قد تنهي حالة الاستقطاب والحرب.
ولا يتعلق الأمر بالمصالح السياسية والاقتصادية وحدها، فهناك أيضاً البعد الأيديولوجي. فما زالت الحركة الإسلامية توظف الخطاب الديني في تعبئة أنصارها، وتصور الحرب باعتبارها معركة بين الحق والباطل، بما يسهل تجنيد المؤيدين وإطالة أمد الصراع. وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من تجربة المشروع الحضاري التي انتهت إلى الانقسام والحروب والانهيار الاقتصادي، ما زال هذا الخطاب يجد من يتأثر به، رغم أن الواقع أثبت فشله في بناء دولة مستقرة تتسع لجميع مواطنيها.
ولا يمكن، في المقابل، تجاهل تأثير العوامل الإقليمية والدولية، إذ تتقاطع مصالح عدد من القوى الخارجية مع مسار الحرب، الأمر الذي يجعل الأزمة السودانية أكثر تعقيداً من أن تفسر بعامل داخلي واحد.
وفي هذا السياق يبرز موقف تحالف “صمود”، الذي ما يزال يراهن على إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية عبر التفاوض مع جميع الأطراف، بما فيها القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية. ولا شك أن أهداف التحالف تتمثل في إنهاء الحرب، وتفكيك التمكين، وتحقيق العدالة، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تتداول فيها السلطة سلمياً، وهي أهداف يتفق معها كثير من السودانيين بوصفها شرطاً أساسياً لخروج البلاد من أزمتها التاريخية.
غير أن المأخذ الأساسي على “صمود” هو أنه يركز بصورة مستمرة على هذه الأهداف، دون أن يقدم تصوراً واضحاً للوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيقها. ويمكن وصف هذا النهج بأنه هروب نحو الأمام؛ إذ يجري الانتقال مباشرة إلى الحديث عن الغايات الكبرى، مع تجنب النقاش حول الأدوات السياسية والعملية اللازمة للوصول إليها. فكيف يمكن عملياً تفكيك احتكار الحركة الإسلامية للسلطة؟ وكيف يمكن فرض انتقال مدني في ظل موازين القوى العسكرية القائمة؟ تلك أسئلة لا يقدم التحالف إجابات واضحة عنها.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو “صمود” أن التعويل المستمر على المبادرات الدولية وحدها، وعلى إمكانية التوصل إلى اتفاق تفاوضي مع القوى التي عطلت الانتقال الديمقراطي في السابق، لا يكفي لتحقيق أهداف الثورة. فنجاح أي مشروع سياسي لا يتوقف على وضوح أهدافه فحسب، وإنما يعتمد أيضاً على امتلاك الوسائل المناسبة لتحقيقها، بما في ذلك أدوات الضغط السياسي والشعبي، والاستفادة من كل الموارد المتاحة التي يمكن أن تدفع الأطراف المعرقلة إلى القبول بانتقال مدني حقيقي.
إن إنهاء احتكار الإسلاميين للسلطة لن يتحقق بمجرد رفع الشعارات أو انتظار نجاح الوساطات الدولية، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين الأهداف والوسائل، وبين المبادئ وآليات تنفيذها على أرض الواقع.
وفي نهاية المطاف، يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر من استمرار هذه الحرب، حيث يدفع المدنيون يومياً ثمن القتل والنزوح والجوع وانهيار مؤسسات الدولة، ولا سيما في دارفور وكردفان وغيرها من مناطق النزاع. ولذلك فإن أي مبادرة تفتح باباً لوقف إطلاق النار تستحق التعامل معها بجدية، شريطة أن تقود إلى سلام دائم، وعدالة انتقالية، ودولة مدنية ديمقراطية تنهي دوامة الحروب والانقلابات التي أرهقت السودان لعقود.
طلعت محمد الطيبtalaat1706@gmail.com
The post من يرفض المبادرة الأمريكية لوقف فوري لإطلاق النار… ولماذا؟ appeared first on سودانايل.
