📢 انضم إلى قناتنا على واتساب وكن أول من تصله الأخبار العاجلة والتقارير الحصرية من مجلة القلم الرقمية
يوليو 14, 2026

حين تتسع الرؤية… يتسع الوطن للجميع

مختار العوض موسى ” كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة” عبارة عبقرية فلسفية عميقة المعنى والمقصد، قالها محمد النفري أحد أبرز المتصوفين المسلمين الذي جمع بين التصوف والفلسفة، فأبدع أيما إبداع. هذه المقولة كيف يمكن تكريس استخدامها فعليا من أجل القضاء على هذا التشرذم في السودان وما نتج عنه من خلافات أدت لنشوب الحرب التي لا […]

The post حين تتسع الرؤية… يتسع الوطن للجميع appeared first on سودانايل.

مختار العوض موسى

” كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة” عبارة عبقرية فلسفية عميقة المعنى والمقصد، قالها محمد النفري أحد أبرز المتصوفين المسلمين الذي جمع بين التصوف والفلسفة، فأبدع أيما إبداع.

هذه المقولة كيف يمكن تكريس استخدامها فعليا من أجل القضاء على هذا التشرذم في السودان وما نتج عنه من خلافات أدت لنشوب الحرب التي لا زالت رحاها تدور حتى اليوم؟.. او يمكن طرح السؤال بصيغة أخرى: كيف يمكن أن تتسع رؤى النخب السودانية لتضييق العبارة، وبالتالي تفويت فرص الأعداء والطامعين على تفتيت هذا الكيان الذي كان قارة بمساحاته الشاسعة المترامية الأطراف؟

هذه المقولة يمكن قراءتها بوصفها “دعوة إلى تجاوز ضيق الأفق، لا إلى تقليل الكلام فحسب” فـ”اتساع الرؤية” يعني إدراك عميق لتعقيدات الواقع الحالي في البلاد وتحدياته الجسام، واستيعاب اختلاف الناس في بوتقة واحدة بغض النظر عن اختلافاتهم، والنظر إلى المستقبل بمنظار وطني جامع أوسع من المصالح الآنية، بينما “ضيق العبارة” يعني التخفيف إلى حد ما من الشعارات الحادة، والمحاصصات السياسية، والاتهامات المتبادلة، وخطاب الكراهية الذي يؤجج الخصومات.

في الشأن السوداني، تبدو هذه الحكمة ذات دلالة عميقة، فالكثير من أزماتنا السياسية لم تكن وليدة اختلاف الرؤى بقدر ما كانت نتيجة ضيقها؛ إذ انحصرت مواقف كثير من القوى في ثنائيات متقابلة نتجت عنها أخطار جسيمة: نحن أو هم، النصر الكامل أو الهزيمة الكاملة، الولاء أو الخيانة…. وغير ذلك من الثنائيات التي تفرق بين الأخ وأخيه وبين قبيلة وأخرى وكانت سببا مباشرا في حالة الانغلاق الفكري الضيق الذي نعيشه، مما أسهم في اتساع مساحة الخطاب المتشنج، وتضييق مساحة التفاهم والتسامح والتوادد والتعايش وكل القيم الإنسانية النبيلة.ولتكريس هذه المقولة في الحياة العامة في البلاد، لا بد من العمل الجاد والسعي المستنير إلى تحويلها إلى مشروع وطني فاعل يضع مستقبل البلاد في نصب الأعين، فحري بالنخب السودانية أن توسع رؤاها لتدرك أن السودان أكبر من الأحزاب، وأوسع من القبائل، وأبقى من الحكومات، وحينها ستضيق العبارات التي تصنف المواطنين إلى أعداء وخصوم دائمين.

عندما تتسع الرؤية وتضيق العبارة، يدرك الجميع أن الصراعات والنزاعات لا تترك منتصرًا حقيقيًا، وأن الخسارة فيها تطال الوطن كله، ولتتسع لغة الحوار لدينا وتصبح أكثر هدوءًا، وأقل ميلًا إلى التخوين والتحريض.

عند اتساع الرؤية لدينا لا يكون السؤال : “من يحكم السودان؟” بل : “كيف يبقى السودان؟”، وحينها لا بد أن نتفق على مشروع وطني جامع، يشعر فيه كل مواطن بأن له مكانًا وكرامة ومستقبلًا، دون أي تفريط في الثوابت العقائدية والوطنية، فيما يجب على النخب السياسية والفكرية والإعلامية أن تدرك أن النجاح الحقيقي ليس في انتصار هذا الحزب على ذاك، أو على استعلاء هذه القبيلة على تلك، أو تفضيل هذه المنطقة على أخرى، وإنما تتعاون هذه النخب فيما بينها على منع انهيار الدولة وتحقيق السلام الشامل، دون أن تعمل على تغذية وتضخيم الخلافات، بل يكون جل همها السعي إلى تضييقها حتى لا تتحول إلى صراعات وجودية تنذر بأخطار جسيمة.

عندما تتسع الرؤية بهذا المعنى، تضيق أيضًا فرص المتربصين بالسودان، فالقوى الخارجية والطامعون لا يجدون منفذًا إلا عندما تتشظى الجبهة الداخلية، ويتحول الاختلاف إلى عداء، والتنوع إلى انقسام، فإذا أصبح التنوع مصدر قوة، وأُدير الخلاف بالحوار والمؤسسات واتساع الرؤية، فإن محاولات التفتيت تفقد كثيرًا من تأثيرها، وتتفتت عند اصطدامها بمتانة وصلابة القوى الوطنية.

لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط بسبب تنوعها، وإنما بسبب عجزها عن إدارة ذلك التنوع، والسودان، بما يحمله من ثراء ثقافي وإثني وديني وجغرافي، يستطيع أن يحول هذا التنوع إلى مصدر قوة إذا امتلكت نخبه رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة.

إذا اتسعت الرؤية حتما ستنقشع الضبابية عن التوجهات الوطنية لساستنا وتصبح خالية من أي تعقيدات تربك المشهد السياسي، ومن أي تأويلات وتكهنات ومحاصصات لا نجني منها غير السراب.

إذا اتسعت الرؤية نستطيع أن ننهض بمسؤولينا الوطنية والأخلاقية للحفاظ على هذا الوطن وحمايته من كل الأخطار والتحديات، كما نستطيع تبني خطاب إعلامي سياسي مستنير يتسم بالوضوح، ويجيب عن الأسئلة المشروعة، ويضع رؤية وطنية واضحة للمستقبل، بعيدًا عن لغة المناورات والمواقف الملتبسة.

آذا اتسعت رؤية إعلامنا تجعله قادرا على أن يعي أن الوطن لا يُبنى في العتمة، ولا تُدار أزماته خلف ستائر الغرف المغلقة، فكلما اتسعت دائرة الرؤية ضاقت مساحة الشائعات، وكلما حضرت الحقيقة، وانحسر الجدل العقيم، واقترب السودانيون من استعادة ثقتهم في مؤسساتهم، وإيمانهم بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل مما يعيشه الحاضر.

إذا اتسعت الرؤية حتما نستطيع تعزيز الإرادة السياسية، وتقديم الصدق على الغموض، والمصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، ونستطيع تبني رؤية تجعل من الشفافية نهجًا، ومن الحوار سبيلًا، ومن وحدة الصف هدفًا، وحينها فقط يكون السودان قادرا على التصدي لكل التحديات، وفي الوقت ذاته يكون أكبر من خلافات أبنائه، وأبقى من صراعاتهم، وأجدر بأن تُسخَّر كل الجهود من أجل أمنه واستقراره.

خاتمة

لعل أعظم ما تعلمنا إياه حكمة النفري أن اتساع الرؤية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. فالأوطان لا تحفظها الشعارات الصاخبة، وإنما يحفظها العقل الراجح، والحوار الصادق، والإيمان بأن الوطن أكبر من الأحزاب والقبائل والأشخاص. وكلما ارتفع الوعي الوطني، خفت ضجيج الخلاف، وكلما اتسعت الرؤية، ضاقت عبارات الكراهية، واتسعت مساحة السلام، وعندها فقط يصبح السودان وطنًا يسع جميع أبنائه، ويستعيد عافيته ومكانته بين الأمم، بدل أن تضيق به عبارات السياسة وخطابات الكراهية.

والله من وراء القصد

mokhtaralawad@gmail.com
The post حين تتسع الرؤية… يتسع الوطن للجميع appeared first on سودانايل.