الأسلحة الكيماوية في السودان… حين تتحول الاتهامات إلى أزمة دولة
دكتور محمد عبد اللهمنذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، انشغل العالم بتداعياتها الإنسانية والسياسية والعسكرية. لكن مع مرور الوقت، لم تعد الأسئلة تقتصر على من يسيطر على الأرض أو من يتقدم في الميدان، بل امتدت إلى طبيعة الوسائل المستخدمة في القتال، بعد ظهور اتهامات باستخدام أسلحة كيماوية، وهي من أخطر الاتهامات التي […]
The post الأسلحة الكيماوية في السودان… حين تتحول الاتهامات إلى أزمة دولة appeared first on سودانايل.
دكتور محمد عبد اللهمنذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، انشغل العالم بتداعياتها الإنسانية والسياسية والعسكرية. لكن مع مرور الوقت، لم تعد الأسئلة تقتصر على من يسيطر على الأرض أو من يتقدم في الميدان، بل امتدت إلى طبيعة الوسائل المستخدمة في القتال، بعد ظهور اتهامات باستخدام أسلحة كيماوية، وهي من أخطر الاتهامات التي يمكن أن تواجه أي دولة في العصر الحديث.
بدأ هذا الملف يأخذ منحى مختلفاً خلال عام 2024، عندما صدرت عن قادة عسكريين سودانيين تصريحات أثارت اهتمام المراقبين. فقد تحدث القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عن امتلاك الجيش القدرة على استخدام «القوة المميتة»، ثم أعقب ذلك تصريح لمساعده الفريق أول ياسر العطا قال فيه إن القوات المسلحة تستطيع استخدام «أكبر قدر من القوة الخفية» في الحدود التي يسمح بها القائد العام.
في الظروف العادية قد تُفسَّر مثل هذه التصريحات باعتبارها جزءاً من الخطاب الحربي، لكن في ظل حرب داخلية تخضع لمتابعة استخباراتية ودبلوماسية مكثفة، قرأها بعض المراقبين بوصفها إشارات تستحق المتابعة، لا سيما أنها سبقت الاتهامات الأمريكية التي ظهرت لاحقاً.
وفي عام 2025 أعلنت الولايات المتحدة أن لديها تقييماً يفيد باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيماوية خلال عام 2024 في أكثر من مناسبة، ثم فرضت عقوبات على الفريق أول البرهان، قبل أن تعلن وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية.
في المقابل، نفت السلطات في بورتسودان هذه الاتهامات بصورة قاطعة، ووصفتها بأنها ذات دوافع سياسية، كما رفضت السماح بإجراء تحقيق دولي داخل السودان، وأعلنت بدلاً من ذلك تشكيل لجنة وطنية للتحقيق فيما وصفته بـ«مزاعم» استخدام الأسلحة الكيماوية.
وفي مرحلة لاحقة، تحدث مسؤولون سودانيون عن وجود تلوث في أجزاء من الخرطوم، لكنهم عزوه إلى استهداف قوات الدعم السريع لمنشآت صناعية وكيميائية، وليس إلى استخدام أسلحة محرمة دولياً.
وهكذا وجد المجتمع الدولي نفسه أمام روايتين متعارضتين: رواية أمريكية تؤكد وقوع استخدام لأسلحة كيماوية، ورواية رسمية سودانية تنفي ذلك وتربط ما حدث بآثار الحرب على المنشآت المدنية.
غير أن جوهر القضية لا يكمن فقط في صحة الاتهامات أو بطلانها، بل أيضاً في طريقة إدارة هذا الملف. ففي القضايا المتعلقة بالأسلحة الكيماوية لا يُنظر إلى البيانات السياسية وحدها باعتبارها حاسمة، وإنما تُعطى الأولوية للتحقيقات الفنية المستقلة. ومن هنا، فإن رفض استقبال جهات تحقيق دولية يترك مساحة واسعة للشكوك، حتى لدى الدول التي لا تتبنى الموقف الأمريكي.
وتختلف الأسلحة الكيماوية عن معظم وسائل القتال الأخرى في أنها لا تميز بين مقاتل ومدني، وقد تمتد آثارها إلى البيئة والمياه والتربة لسنوات طويلة، مسببة أمراضاً مزمنة وتشوهات خلقية وأنواعاً مختلفة من السرطان. كما أن مجرد الاشتباه في استخدامها يضع الدولة المعنية تحت رقابة دولية طويلة الأمد، ويترك آثاراً سياسية وقانونية قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب.
وقد عرفت المنطقة نماذج مؤلمة لهذا النوع من الأسلحة، كان أبرزها مأساة حلبجة عام 1988، كما شهدت سوريا خلال العقد الماضي اتهامات وتحقيقات دولية انتهت إلى فرض عقوبات وإجراءات سياسية واسعة. لذلك فإن مجرد دخول السودان إلى هذا النوع من الملفات، سواء كانت الاتهامات صحيحة أم باطلة، يضعه أمام تحديات تتجاوز حدود الحرب نفسها.
فإذا ترسخت لدى المجتمع الدولي قناعة بأن أسلحة كيماوية استُخدمت في السودان، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من العقوبات والعزلة السياسية، وتعقيد جهود إعادة الإعمار، وإضعاف فرص استعادة الثقة الدولية. كما قد تترتب على ذلك تبعات قانونية على بعض الأفراد إذا توافرت مستقبلاً أدلة تستوفي المعايير القانونية الدولية.
أما إذا كانت الاتهامات غير صحيحة، فإن الطريق الأكثر إقناعاً لدحضها لا يمر عبر الإنكار وحده، بل عبر تحقيق مستقل يتمتع بالمصداقية والقبول الدولي. فالقضايا المتعلقة بالأسلحة المحرمة لا تُحسم بالخطابات السياسية، وإنما بالأدلة العلمية والفنية.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن ملفات الأسلحة الكيماوية لا تُغلق بسهولة، بل قد تبقى حاضرة في العلاقات الدولية سنوات طويلة، وتلقي بظلالها على فرص السلام والتعافي الاقتصادي والعلاقات الدبلوماسية.
يقف السودان اليوم أمام اختبار شديد الحساسية. فاستمرار هذا الملف مفتوحاً يعني بقاء باب الشكوك والعقوبات والضغوط الدولية مفتوحاً كذلك، بينما قد يتيح التعامل معه بشفافية، عبر آلية تحظى بثقة المجتمع الدولي، فرصة لإغلاقه، أياً تكن النتائج التي ينتهي إليها التحقيق.
وفي النهاية، فإن القضية تتجاوز الدفاع عن حكومة أو إدانة جيش، لأنها تمس مستقبل الدولة السودانية نفسها. وإذا كان السودان قد أنهكته الحرب والانقسام والنزوح، فإن آخر ما يحتاج إليه هو أن يصبح اسمه مقترناً بواحد من أخطر المحظورات التي عرفها القانون الدولي. وفي مثل هذه القضايا، لا تكون الحقيقة عبئاً على الدول، بل هي الطريق الوحيد لحماية سمعتها ومستقبلها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
The post الأسلحة الكيماوية في السودان… حين تتحول الاتهامات إلى أزمة دولة appeared first on سودانايل.
