أخبار وتقارير

الانتخابات الصومالية تتمخض (هل الانفراج أم الانسداد) .


رؤية تحليلية نقدية:
في العام 2000م اتفق الصوماليون على اجراء انتخابات من نوع خاص وفريدة من جهة بعد جولات من المحادثات استمرت قُرابة السنة في مدينة (عرتا) الجيبوتية ؛ اتفقوا على بناء دولة مدنية ديمقراطية وفقاً لنظام (4,5)القبلي حيث تقسمت كراسي أعضاء البرلمان على أربعة حصص متساوية للقبائل الأربعة الكبرى وتأخذ القبيلة الخامسة نصف الحصة ؛ كانت مدة البرلمان والحكومة مقيدة بفترة زمنية حددها الدستور الانتقالي وبعد انتهاء الفترة تُجرى انتخابات أخرى لتشكيل برلمان جديد يختار رئيسا للبلاد على نفس المنوال السابق .

تلك الفترة التي وُصفت بالانتقالية (2000-2016م) كانت الانتخابات تتم عن طريق اختيار أعضاء البرلمان من قبل المشايخ التقليدين للعشائر حيث يختار شيخ العشيرة العضو/الأعضاء الذين يمثلون القبيلة في البرلمان للفترة التالية وهكذا دواليك حتى مجيء الرئيس الاسبق حسن الشيخ محمود الى رئاسة الجمهورية وتخطي البلاد من الفترة الانتقالية ؛ حيث اصبحت الحكومة الصومالية رسمية مثل باقي حكومات دول العالم ؛ حاولت حكومة محمود عبثا أن تقيم انتخابات مباشرة الاّ انّ الوقت لم يسعفها فاضطرت الى استخدام طريقة جديدة مغايرة للاختيار المباشر لأعضاء البرلمان فاقترحت باختيار(51)مندوبا من قبل شيخ العشيرة الذين بدورهم يختارون العضو البرلماني للعشيرة على الطريقة الديمقراطية المعروفة(50+1) ؛ ومن تلك الانتخابات تمخض البرلمان العاشر وفي نفس الوقت استحدث مجلس الشيوخ الذي يختار أعضاؤه برلمان الولايات الخمسة + أعضاء المناطق الشمالية(صومالاند) يختاره شيوخ العشائر ؛ من الجدير بالإشارة الى أن تلك الطريقة(الخمسين مندوبا)كانت مقيدة بتلك المرحلة واتفق على عدم تكرارها في المرحلة التي تليها .

_مهام حكومة فرماجو:

كانت المهمة التي انتدبت للحكومة الجديدة برئاسة العائد من بلد الاغتراب محمد عبدالله محمد فرماجو تنحصر مهامها في التالي :-
1. إتمام الدستور .
2. تصفية حركة الشباب من البلاد .
3. تشكيل القوات المسلحة الصومالية من جميع الولايات .
4. حل ملف انفصال الأقاليم الشمالية( صومالاند) .
5. اجراء انتخابات مباشرة في البلاد(تصويت الشعب لانتخاب ممثليه في البرلمان) .

في الملفات الخمسة آنفة الذكر لم تفلح الحكومة بتحقيق واحدة منها عدى ترتيب الموجود من الجيش وإعطائه الرقم العسكري التسلسلي ؛ ويُلقى اللوم على حكومة فرماجو أنها اعادة عقارب الساعة إلى الوراء ؛ فمن جهة حركة الشباب قوية ويدها ضاربة في طول البلاد وعُرضها وتُنفذ التفجيرات والاغتيالات وتفرض اتاوات ضريبية على المواطن المسكين ؛ وفيما يتعلق بالملف الانفصالي لصومالاند لم يفتح من اساسه ؛ الادهى من ذلك والامرّ ان الحكومة لم تقدم خطوة واحدة نحو الانتخابات ؛ وبات الحال على نفس النمط التقليدي السابق حتى منتصف السنة الماضية حيث زادت الانتقادات ضد الحكومة واتهم البعض على أنها ناوية بتمسك الحكم بطريقة الرئيس الاسبق المرحوم محمد سياد بري ؛ حين تجلّت الامور بوضوح ونطق رئيس الوزراء السابق حسن علي خيري معلناً دون استشارة الرئيس او الرجوع اليه أن حكومته ستقوم باجراء انتخابات حرة ونزيهة باتفاق جميع الأطراف المهتمة بالشأن الصومالي وبالفترة المتبقية من المدة وبالفعل أقيم مؤتمر (دوسمريب الاول والثاني والثالث) بين رؤساء الولايات من جهة والحكومة الفيدرالية بقيادة الرئيس من جهة أخرى واختتم المؤتمر على أن تُجرى الانتخابات في الوقت المحدد لها دون تمديد فترة ولاية الرئيس الحالي….وفور انتهاء المؤتمر دبّ الشقاق بين رئيس الوزراء خيري والرئيس فرماجو وقام الاخير باعداد العُدّة لاقالة رئيس الوزراء من منصبه ؛ كثرت الضغوطات على الرئيس من المجتع الدولي والمعارضة المُمثلة ب ( مجلس اتحاد مرشحي الرئاسة ) وفي الاطار الاقليمي ولايتي (بوندلاند وجوبالاند) ؛ فرضخ الرئيس للأمر الواقع وتوصل الأطراف الى اتفاق(17 سبتمبر)الذي أعاد طريقة انتخاب المندوبين للعضو البرلماني مع اضافة عددهم (101)مندوبا للعضو الواحد ومع هذا لم تأت الرياح بما تشتهي سفن الانتخابات .

من عرقل من؟:

بعد اتفاق 17 سبتمبر في مقديشو(2020)دخلت البلاد حالة ركود ولم تتحرك القافلة نحو الانتخابات حتى قرّبت انتهاء فترة رئاسة الرئيس الشاغر فرماجو واتهم كل طرف الآخر بعرقلة سير الانتخابات ؛ الى ان تواعد الاطراف مرة رابعة في (دوسمريب) للبت في القضية والسير بالبلاد نحو الانتخابات ولكن أصبح حال المؤتمر كما يقول المثل العربي(تمخض الجبل فولد فأرا) ؛ انفض المؤتمر بدون نتيجة من(دوسمريب) وذهب كل إلى حال سبيله وعاد بخُفي حنين ؛ هنا اشتدت حمية الانتخابات خاصة مع انتهاء فترة رئاسة فرماجو الذي حاول عبثا أن يطلب من البرلمان بغرفتيه (الشعب والشيوخ) تمديد فترة رئاسته ؛ ودافع كل طرف جانبه باحتجاجات وتفسيرات أحادية تعاكس الجانب الآخر .

الرئيس دافع نفسه أمام البرلمان في 6 فبراير قائلا: (قدمنا أكثر مما يمكن من التنازلات بدئاً من مؤتمرات دوسمريب الاول والمؤتمر الختامي في 17 سبتمبر بالعاصمة مقديشو(كتب رؤساء الولايات بنود الاتفاق في 17 من سبتمبر الفائت ؛ تلك البنود التي حددت مصير البلاد الانتخابي في الفترة الراهنة)ولكن نظرا لقول الرئيس( اصبح رئيسا ولايتي جوبالاند وبونتلاند عقبة امام تنفيذ الاتفاق) ؛ وبات الحال لا مفر من مؤتمر استشاري آخر لحل الاشكاليات العالقة ؛ لكن موفق رئيسا الولايتين المذكورتين وفقا للرئيس كان متصلبا وهو ما ادّى الى فشل مؤتمر (دوسمريب 4) .

بالمقابل الجانب الآخر يدعي أن الرئيس فرماجو لا يرى إلا ما يريد(تمديد فترة الولاية او اجراء اتنخابات مزورة يصبح هو الرئيس القادم لولاية ثانية قبل إعلان النتيجة) طبقاً لتصريحات رئيس ولاية جوبالاند احمد محمد إسلام “احمد مدوبي”لماقام به الرئيس من:
أ‌. ادراج موظفي الدولة الرسميين وعناصر بجهاز المخابرات الصومالية الى لجنة الانتخابات على المستويين الفيدرالي والاقليمي وهو مالا يسمح به الدستور ويشير الى انهم سينهبون الكراسي للرئيس فرماجو فيصبح الأعضاء الجدد للبرلمان المرتقب من الشباب المؤيدين للرئيس فقط واعادة انتاجه مرة اخرى .
ب‌. تمسك الرئيس بفصل الشؤون الانتخابية لإقليم (جيدو) من إدارة جوبالاند ومنحها استقلالية تامة بإدارة الانتخابات بعيدا عن يد كسمايو التي يخضع لها الإقليم إداريا .
ج. ابعاد ئيس مجلس الشيوخ عبدي حاشي من إدارة انتخابات أعضاء الاقاليم الشمالية ويُعدّ (حاشي) اعلى شخصية منتخبة من الشمال التي لها الحق في مباشرة مهام الانتخابات غير المباشرة المزمع إجراؤها الآن .
من هنا يتضح أن المؤتمر لم تأتِ منه النتائج المرجوة ؛ الاهم من ذلك انتهاء الفترة الدستورية لولاية رئيس الجمهورية(السابق بوصف المعارضة)في 8 فبراير الجاري وقبله مدة صلاحية البرلمان بغرفتيه ما جعل-برأي المحللين السياسيين في الشأن الصومالي-بادرة سياسية في المسرح الصومالي(انتهت فترة الصلاحية للحكومة الشاغرة وليست هناك خارطة لانتخابات متفقة عليها) ؛ هنا بات لزاماً تدخل المجتمع الدولي بعد ارتفاع صيحات المعارضة للحكم الفرماجي برحيله كونه فشل في مهمته الدستورية ؛ تدخل المجتمع الدولي داعيا الحكومة والمعارضة على حد سواء انهاء الأزمة وإخراج صيغة متفقة عليها لاجراء الانتخابات في فترة محددة لا تتجاوز (90 يوماً) ومن المُزمع عقد مؤتمر في 15 فبراير الجاري بهذا الشأن ؛ فهل يا ترى تتمخض الأجواء إلى انفراج سياسي لمستقبل انتخابي زاهر للأمة الصومالية ؟ أم تنتهي إلى انسداد مؤلم لا يمكن توقع نتائجه على المشهد الصومالي اليتيم الذي يترنح تحت نيران الانفجارات ومضاعفة الإتاوات من قِبل الحركة التي اسمت نفسها(الشباب)؟؟؟!

#بقلم/عبدالرحمن أبوبكر أحمد(ماجستير في التاريخ الحديث ؛ كاتب وباحث في شأن القرن الأفريقي)

Alqalm Administrator
Sorry! The Author has not filled his profile.
×
Alqalm Administrator
Sorry! The Author has not filled his profile.
instagram default popup image round
Follow Me
502k 100k 3 month ago
Share